محمد بن علي الشوكاني
3588
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
العلة ؛ وهي كون البادي يظنه للبيع برخص ، فيتسبب عنه ارتزاق الحاضر ( 1 ) ، وذلك لأن من كان باديا في بعض الأوقات يجهل كيفية التعامل والتبايع في ذلك الوقت الذي يكون فيه باديا ، وإن كان يسيرا مهما أمكن التجويز فيه ، فلا وجه لجعل النهي مختصا من كان باديا دائما . فإن قلت تقسيم النظر إلى العلة يستلزم دخول من كان من أهل الحاضر غير عالم
--> ( 1 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 4 / 367 - 368 ) : وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي ، أهل العمود وغيرهم ، قريبا كانوا من الحضر أو بعيدا ، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب ، وإليه صار غير واحد ، حمله مالك على أهل العمود ممن بعد منهم عن الحضر ، ولا يعرف الأسعار ، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء إنما قيده مالك بهذه القيود نظرا إلى المعني المستفاد من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض " وذلك ، أن مقصوده أن يرزق أهل الحاضرة بأهل البادية ، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررا ظاهرا . وهذا لا يحصل إلا بمجموع تلك القيود وبيانه : أنهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى ، وغالبهم يعرف الأسعار . وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم . فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم . وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار يقصدون الأرباح فلا يحال بينهم وبينها . فلهم التوصل إليها بالسماسرة وغيرهم ، وأما أهل العمود والموصوفون بالقيود المذكورة . فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان ، فيما أصله أهل البادية بغير ثمن ، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتزق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه . وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية في ذلك دفعا لأشد الضررين وترجيحا لأعظم المصلحتين . وانظر " فتح الباري " ( 4 / 437 ) . وقال ابن قدامة في " المغني " ( 6 / 309 ) : " والمعني في ذلك أنه متي ترك البدوي يبيع سلعته ، اشتراها الناس برخص ، ويوسع عليهم السعر فإذا تولى الحاضر بيعها ، وامتنع من بيعها ، إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد .